ابن أبي الحديد

55

شرح نهج البلاغة

من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها ، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها ، وردها عليه . وبنى معاوية الخضراء بدمشق ، فقال أبو ذر : يا معاوية ، إن كانت هذه من مال الله فهي الخيانة وإن كانت من مالك فهو الاسراف . وكان أبو ذر رحمه الله تعالى يقول : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه ، والله إني لأرى حقا يطفأ وباطلا يحيا ، وصادقا مكذبا ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه ، فقال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام ، فتدارك أهله إن كانت لكم حاجة فيه . فكتب معاوية إلى عثمان فيه ، فكتب عثمان إلى معاوية : أما بعد ، فاحمل جندبا ( 1 ) إلى علي أغلظ مركب وأوعره ، فوجه به مع من سار به الليل والنهار ، وحمله على شارف ( 2 ) ليس عليها إلا قتب ( 3 ) ، حتى قدم به المدينة ، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد ، فلما قدم أبو ذر المدينة ، بعث إليه عثمان أن الحق بأي أرض شئت ، فقال : بمكة ؟ قال : لا ، قال : فبيت المقدس ؟ قال : لا ، قال : فأحد المصرين ( 4 ) ؟ قال : لا ، ولكني مسيرك إلى الربذة ، فسيره إليها ، فلم يزل بها حتى مات . وفي رواية الواقدي أن أبا ذر لما دخل على عثمان ، قال له : لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب ! فقال أبو ذر : أنا جنيدب وسماني رسول الله صلى الله عليه عبد الله ، فاخترت اسم ، رسول الله الذي سماني به على اسمي فقال عثمان : أنت الذي تزعم أنا نقول إن يد الله مغلولة ، وإن الله فقير ونحن أغنياء ! فقال أبو ذر : لو كنتم لا تزعمون لأنفقتم

--> ( 1 ) جندب : اسم أبي ذر الغفاري . ( 2 ) الشارف : الناقة المسنة الهرمة . ( 3 ) القتب : الإكاف الصغير على قدر سنام البعير . ( 4 ) المصران : هما الكوفة والبصرة .